محمد سعيد رمضان البوطي

30

من روايع القرآن

إمساكه عنها زمن طويل ، حتى إذا نزلت آية من القرآن في شأن ذلك السؤال ، طلب السائل وتلا عليه ما نزل من القرآن في شأنه ، وربما تصرف هو نفسه في بعض الأمور على نحو معيّن ، فنزلت آيات من القرآن تصرفه عن ذلك الوجه بل ربما انطوت على شيء واضح من العتب واللوم . ثم إنه عليه الصلاة والسلام كان يعلن في كل مرة أن القرآن كلام اللّه ، وأنه ليس إلا أمينا على نقله وتبليغه ، وأنه يتلقاه من جبريل عليه السّلام . ولقد ظل عليه الصلاة والسلام صادقا أربعين سنة مع قومه ، حتى كان بينهم مثال الصدق والأمانة . وبدهي أن مثل هذا الإنسان لا بدّ أن يكون قبل كل ذلك صادقا مع نفسه ، يتحرى الدقة في كل مشاعره وأقواله وإحساساته . وبعد ذلك كله ، فقد كان - على ما أجمع عليه المؤرخون - أميّا لم يقرأ كتابا ولا خطّه بيمينه ، ولم يدرس تشريعا ولا تاريخا ولا شيئا من قصص الرسل والأنبياء السابقين ، فمن أيّ نافذة طبيعية يمكن لهذه الإلهامات كلها أن تتنزل عليه ، وكيف لها بأن تنبع هكذا من داخل قلبه وعقله ؟ لا جرم أن الوحي القرآني إذا ، إنما هو استقبال منه صلّى اللّه عليه وسلّم لحقيقة ذاتية مستقلة خارجة عن كيانه وشعوره الداخلي ؛ وبعيدة عن كسبه أو سلوكه الفكري أو العملي . أما قول بعض المستشرقين بأنه لم يكن إلا نوعا من الصرع ينتابه بين الحين والآخر ، فليس من النظريات العلمية الموضوعية في شيء حتى نضعه تحت مجهر البحث والنقاش ، ونضيّع وقتا قصيرا أو طويلا في الكلام عنه . ونعود بعد هذا إلى شرح القيود المأخوذة في تعريف القرآن الكريم : ثالثا - التعبّد بتلاوته . والمقصود به أن من خصائص هذا الكتاب الكريم أن مجرد قراءته تكسب القارئ أجرا ومثوبة عند اللّه ، وأن ذلك يعتبر نوعا من العبادة المشروعة ، وأن الصلاة لا تصح إلا بقراءة شيء منه ولا يغني عنه غيره من الأذكار أو الأدعية أو الأحاديث . رابعا - وصوله عن طريق التواتر . ومعناه أن قرآنية آية من القرآن لا